في أحد حفلات تكريم المتقاعدين في إحدى المؤسسات، كنت أستمع إلى همسات بعض الحضور “انتهت الصلاحية ، بدأت مرحله القهوة والنوم ، قد مر الدهر عليهم ” وغيرها من المصطلحات، التي قد يراها البعض سلبية أو مسيئة تجاه المتقاعدين ولكن إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى، نجد أن تلك الهمسات تحمل رسالة مهمة، ربما تكون بمثابة “منبه” يشير إلى أننا كمجتمع ما زلنا نتمسك بمفهوم قديم في تحديد دور المتقاعدين، يثير هذا التساؤل: لماذا نستخدم مصطلح “متقاعد”؟ لماذا نربط هذا المصطلح بانتهاء الصلاحية، في حين أن المتقاعد لا يزال يحمل في جعبته الكثير ليقدمه؟
لقد أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2019 “استراتيجية الإمارات للمتقاعدين” بهدف ضمان حياة كريمة ومستدامة للمتقاعدين حيث اشتملت الاستراتيجية على العديد من الأهداف مثل تحسين جودة الحياة للمتقاعدين من خلال توفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية، وتوفير فرص اقتصادية ومشاريع صغيرة للذين يرغبون في استمرار العمل بعد التقاعد إلى جانب دعم التأمين الصحي لهم، كما تم العمل على تحسين المعاشات التقاعدية لضمان تلبيتها لاحتياجاتهم.
رغم هذه الجهود الحثيثة، أين نحن كمجتمع من نظرتنا للمتقاعدين؟ لماذا ما زلنا نعتبر كلمة “متقاعد” تعني “انتهاء الصلاحية” و”وقت الرفوف”؟ هذه النظرة لا تقتصر على المجتمع فقط، بل يتبناها المتقاعد ذاته، حيث يعتقد أنه تم الاستغناء عنه وعن خبراته، ويبدأ يشعر أن حياته المهنية قد انتهت، نعم إن هذا الشعور يعكس تحديًا مجتمعيًا يجب التفكير فيه، حيث يُنظر إلى المتقاعد وكأنه لم يعد جزءًا من نسيج العمل الحيوي، على الرغم من أن العسكريين في الدولة يُستدعون بعد التقاعد في حالات الطوارئ بفضل خبراتهم القيمة، فإننا نجد أن هذا النهج لا يمتد إلى المتقاعدين في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص، فهل يختلف الأمر حقًا بين هؤلاء الذين تقاعدوا عن العمل في القطاع المدني وبين من خدموا في القطاع العسكري؟ هل خبرة المتقاعد في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص ليست ذات قيمة؟ لماذا لا يتم الاستفادة من هذه الخبرات العميقة في تحديد الاستراتيجيات المستقبلية للمؤسسات؟
وعلي الرغم أن التقاعد في الماضي كان يُنظر إليه كنهاية للمسار المهني، ويأتي مع تصورات سلبية عن الابتعاد عن العمل والانغماس في فترة من الراحة أو الركود، على الرغم من أن التقاعد يعكس عادةً فترة من الراحة بعد سنوات من العمل الشاق، فإن البعض يراه بوصفه مرحلة من الانتهاء حيث هذا التصور قد يكون مدفوعًا بنظرة مجتمعية تعتبر العمل المنتظم مرادفًا للقيمة الشخصية، مما يجعل أي خطوة إلى الوراء أو الابتعاد عن الوظيفة الرسمية تُنظر على أنها تراجع.
مع تقدم المجتمع الإماراتي وتوجهه نحو التحديث المستمر، أصبح من الواضح أن الخبرات المهنية تمثل قيمة حيوية سواء في القطاعات الاقتصادية أو الاجتماعية، وبالطبع فإن التقاعد لا يعني التوقف عن تقديم القيمة للمجتمع، بل على العكس يمكن للمحاربين القدامى في مجالاتهم، أصحاب الخبرات الطويلة، أن يكونوا مصدرًا مهمًا للإلهام والإرشاد.
أتذكر موقفًا في إحدى الإدارات التي عملت بها، حيث كنا في مرحلة وضع خطة استراتيجية تعتد على التحليل الرباعي للإدارة و كان مطلوبًا منا العودة إلى تاريخ تأسيس الإدارة لفهم سياقها وتطورها، وذلك لتجنب تكرار الأهداف والأنشطة الاستراتيجية. لكن للأسف كان الجميع في الإدارة من الجيل الجديد الذي لم يكن لديه فهم كافٍ لتاريخ الإدارة أو رؤية تأسيسها وفي تلك اللحظة خطر لي أن المتقاعدين الذين خدموا في هذه المؤسسة قد يحملون معلومات تاريخية قيّمة، لماذا لا نستعين بهم بدلاً من البحث عن حلول باهظة الثمن عبر شركات استشارية خارجية قد لا تتوافق أفكارها مع روح المؤسسة” الإدارة او القطاع”؟
بعض الناس يصفون التقاعد بأنه “الوقت الذي يعمل فيه الشخص من أجل نفسه بدلاً من العمل من أجل الآخرين” وهذه مقوله قرأتها في أحد الصفحات الإلكترونية ، حيث تظهر هذه العبارة التناقض بين مفهوم التقاعد وكلمة “متقاعد”، إذ تشير إلى أن المتقاعد قد تم استبعاده أو وضعه جانبًا بعد أن أتم مهمته في خدمة المؤسسة أو الشركة. لكننا نعمل جميعًا في المؤسسات ليس من أجل أصحاب المناصب العليا فقط، بل لنُسهم في تقدم المؤسسات، والتي بدورها تساهم في تطور المجتمع والدولة، فنحن جميعًا حتى بعد التقاعد، جزء من هذا المجهود الوطني الذي يستمر طالما كانت لدينا القدرة على العطاء.
ما يلفت الانتباه هو أن دولة الإمارات قد أجرت تغييرات كبيرة في مسميات بعض الفئات المجتمعية لتكريمهم وتعزيز دورهم في المجتمع. ففي عام 2016، تم تغيير مصطلح “ذوي الاحتياجات الخاصة” إلى “أصحاب الهمم”، وفي عام 2018 تم تغيير مصطلح “كبار السن” إلى “كبار المواطنين”. جاءت هذه التغييرات بتوجيهات من صاحب السمو محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتعزيز تقدير المجتمع لهذه الفئات وإبراز قدراتهم. لماذا لا نُعيد النظر في المسمى الذي نطلقه على المتقاعدين؟ ربما حان الوقت لتغيير هذا المصطلح بما يتناسب مع جهودهم المستمرة في خدمة الوطن، وتحفيزهم على الاستمرار في المساهمة، بدلاً من أن نراهم وكأنهم “انتهوا” بمجرد التقاعد.
إن تغيير المسمى ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو انعكاس للنظرة المجتمعية لهذه الفئات. إذا كنا نستطيع أن نعيد تعريف مفهوم ” أصحاب الهمم “و”كبار المواطنين”، فهل يمكننا إعادة تعريف “المتقاعد” بطريقة تبرز دوره المستمر وأثره في المجتمع؟
في النهاية، المتقاعد لا ينتهي دوره بمجرد بلوغ سن التقاعد أو مغادرته للعمل من المؤسسه التي عمل بها سنوات طويله، بل يبقى جزءًا من هذا الوطن، وله الحق في الاستمرار في العطاء والتأثير، وأن يُحترم دوره من قبل الجميع، سواء في المؤسسات أو المجتمع، لعل الوقت قد حان لنغير نظرتنا ونسمح لهم بأن يستمروا في مسيرة البناء التي بدأوها، دون أن نربطهم دائمًا بانتهاء الصلاحية.