حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز روايته الخالدة “مئة عام من العزلة”، لم يكن ينسج عالمًا خياليًا فحسب، بل كان يعيد تشكيل تضاريس بلدته “أركاتاكا” الواقعة في منطقة الكاريبي الكولومبية. جعل منها “ماكوندو”، تلك البلدة الأسطورية المعزولة، حيث تحضر الطبيعة بوصفها كيانًا نفسيًا وروحيًا، يتداخل مع مصائر الشخوص وتقلبات الأقدار. كانت جغرافيا المكان أكثر من مشهد؛ كانت ذاكرة وسؤالًا وأسطورة.
وعندما كتب الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، لم يكن يكتفي باستحضار مشاهد من قريته السودانية الوادعة على ضفاف النيل، بل كان يخطّ تفاصيلها بأصابع القلب: الرمال الذهبية، نخيل الأرياف، ليل القرية الصامت، وصراع الهوية بين إرثٍ ضاربٍ في الأرض وريحٍ قادمة من الشمال. لقد منح المكان صوتًا، وكأن الأرض تتكلم بلسان أهلها.
أما الكاتب الليبي الكبير إبراهيم الكوني، فقد جعل من الصحراء بطلة مطلقة لرواياته، لا تغيب عن أي عمل من أعماله. صاغ من كثبانها وواحاتها وسرابها فلسفة وجود، وبنى عليها رؤيته للكون والروح والقدر. الصحراء في أدبه ليست خلفية ساكنة، بل كائنٌ حي يتنفس ويصمت ويحلم. رغم مغادرته ليبيا في سن مبكرة، إلا أن الصحراء ظلت تسكنه، يكتبها كما تُكتب الصلاة: إيمانًا، وجدانًا، وانتماءً.
وقد قيل إن الإنسان ابن بيئته؛ يتخلق من طينها، ويتشكل بمائها وهوائها، يحملها في ملامحه، ويبوح بها في كتاباته. وقد صدق القول، إلا أنني وجدتني مشدودة أمام سؤال طرحه عليّ أحد الحاضرين في مناقشة أحد أعمالي الأدبية، وكان يدور حول العلاقة المتشابكة بين الإنسان والبحر.
سألني: هل البحر حبيب أم خصم؟
وأجبته – دون تردد – بأنه ندٌّ خفي. ندّ يتطلب منا حذرًا، حوارًا، وربما خضوعًا.
دار بيننا جدال طويل. أراد الباحث في التاريخ أن ينتصر لفكرة أن علاقة الإنسان بالبحر، منذ فجر الألفية، كانت علاقة ودّ وسلام، كعلاقة طالب الرزق بمورد رزقه. بينما رأيتُ أنا في البحّار رجلًا مثقلاً بالوجع، ديونه متوارثة، أذناه تصغيان للمدى ولا تسمعان، جسده هشّ، وبيته موبوء بالفقر.
قلت له: إن البحر لا يُهدي خيراته إلا مضنًى، وإن صيحات “يا مال” لم تكن غناء، بل استجداءً من قلب الجهد. وإن رجعوا منه، رجعوا بصرخة: “توب… توب يا بحر!”.
فقال: بل كان البحر عزاءهم الوحيد، والملاذ الذي لم يعرفوا سواه، فأحبوه لأنه منحهم حياة لم يختبروا غيرها.
وأيًّا كانت الحقيقة، سواء أحبّ الإنسان البحر أم كان خصمًا له، فإن الحياة – كما الكتابة – تترفّع عن منحنا إجابات نهائية.
ويبقى السؤال معلقًا:
بأي دافع يكتب الكاتب عن تضاريس المكان الذي شهد خطوات طفولته الأولى؟
أهو الحنين؟ أم اليقين بأن الأرض – كيفما كانت ملامحها – تحمل الإجابة الأولى… والأخيرة؟