مقال مقال رأي ساخر

أنانية أصدقائي الأجانب

استمع الى المقال
20.22

أعجبني تعريف الأنانية لأوسكار وايلد ”

ليست الأنانية ان يعيش المرء كما يهوى، بل ألا يدع الأخرين يعيشون كما يهوون”

وذلك هو أحد جوانب الشخصية الأنانية، بجانب أن تفكيره لا يخرج عن إطار نفسه، وبجانب اعتقاده بأن هذه الحياة لا تتمحور إلا حوله

الإنسان الأناني غالباً ما يعتقد أن مصلحته الشخصية وسعادته هي أهم ما في الوجود، وأن من بقى على هذه الأرض إنما لخدمته والإتفاق معه، فالأنانية هي الافتنان بالنفس، وسبغ الأهمية ورفع القيمة الذاتية للفرد الى مصاف ما فوق الجميع.

الإنسان الأناني في أتم الاستعداد بالتضحية بالجميع من أجل نجاته، هو أول من يقفز على قارب النجاة أثناء غرق السفينة بدلا أن يساعد النساء والأطفال، رغم توافر قوارب النجاة وإتقانه للسباحة.

كثيراً ما سمعت من بعض أصدقائي الأجانب وهم يرددون أنهم لا يجدون ما يستهويهم في الدول الخليجية، فكلها باتت متشابهة بالعالم الأخر، لا يوجد بها سوى ناطحات السحاب ومباني فخمة لا تختلف عن مباني نيويورك أو شيكاغو، بل إن التواجد في دبي بالذات يحسسهم بأنهم في احدى الولايات الأمريكية، وأنهم يرغبون في رؤية الخيم والجمال والحياة القديمة لسكان الخليج.

ومع تكرار زيارتهم وتذمرهم في نفس الوقت، أعلمتهم بأني بصدد الكتابة للمسؤولين في دول الخليج، وبالذات القائمين على التطور والبناء لأطلب منهم التوقف كلياً عن البناء، وتحديث المدن الخليجية، بل وهدم كل ما بنوه، وتعويض مواطنيهم بالخيم والجمال وبعض الأغنام، حتى يتسنى لأصدقائي الاستمتاع برؤية ما يظنونه حياة العرب، فندخل السرور إلى قلوبهم، ونقف معهم للصور التذكارية  بجانب جمالنا وآبار نفطنا، ليضيفوها إلى مجموعة ذكريات أسفارهم الى بلاد العرب، ويا حبذا لو نهدم مدرجات مطاراتنا، لنمنحهم فرصة اختبار الهبوط على رمال الصحراء فتكتمل مغامراتهم.

أخبرتهم من أجل عيونكم وسعادتكم سوف نوقف الزمن، ونكسر عجلة التطور، وحتى أولادنا سنمنعهم من التعلم ونقتل فيهم طموحهم بالتقدم، فراحتكم أهم من تطورنا، سنعتمد عليكم اعتماداً كلياً وسنجعل من أنفسنا واجهة سياحية بدائية لكم، كما وعدتهم بالتخلص من كل عقلية مبدعة بيننا تنادى بالحداثة، وسنرسلهم جميعهم إليهم ليستفيدوا منهم، ولم أنس أن أوصيهم برفع أسعار سلعهم عند عرضها علينا، فنحن نملك المال الكثير ولا نعرف ماذا نفعل به، وعليهم عند زيارتنا جلب بعض الأدوات الإلكترونية، ليبهرونا بها.

سنعمل جاهدين حتى نمنح مصوريهم وفنانيهم إلهاماً واقعياً عنا، وسنبذل قصارى جهودنا لإضافة واقعية على إنتاجهم السينمائي.

لا حق لنا بالاستمتاع بالتطور والحداثة طالما أن ذلك يحرمهم من رؤية الصورة النمطية التى عرفونا بها، أنانيتهم حجبت عنهم استيعاب حقنا وحريتنا في اختيار نمط الحياة التى نبتغيها.

الغريب في الأمر أن مجموعة أصدقائي هؤلاء ما زالوا يترددون على دبي، من حين لآخر وعندما أسألهم عن سبب عودتهم يكون جوابهم ” لقد جمعتم سحر الشرق وروح الغرب، لا نجد راحتنا إلا عندكم” ولئن كانت راحة تنقصها تخلفنا.

النظرة الأنانية لا تقتصر على أصدقائي الأجانب وحدهم، بل هناك جمهورية تستمد نظرتها الأنانية من تاريخ سحيق مضى، لا ترى فينا غير تجمعات بشرية لا تستحق التفوق عليها.

ليس بالقوة وحدها سنهزم الأنانيين ولكن بالمضي قدماً وبتطوير ذواتنا وبلداننا فخير وسيلة لهزيمة أنانية الآخر هي النجاح.

شكراً لكل القائمين على تطور مدننا وتعليم أبنائنا، استطعتم أن تضعونا في قلب الخارطة السياحية، حتى لأولئك الذين لا يستسيغون وجودنا.

بصمة منطق

في انتظار التحقق
معرف المقال: 1327
البصمة الرقمية:
217b43c7fde1cf92c212427044c32c657e5dd5bb1ff9a90acb9290146f1fa7e1
محمد خميس
كاتب وسيناريست له عدة مؤلفات في مجال الرواية، وأدب الطفل، وكتابة المسلسلات.

في منطق… نكتب، نوقّع، ونُثبت. لأن كل مقال يستحق "بصمة"

في عالم امتلأ بالمحتوى المتشابه والمجهول المصدر، تطلق منصة منطق مشروع “مقالات منطق”، كمساحة رقمية تتيح للكتّاب والباحثين والمفكرين نشر مقالاتهم بثقة وشفافية، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن بتوقيع بشري موثوق.